فخر الدين الرازي

467

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : قال صاحب « الكشاف » قرئ يا حَسْرَتى على الأصل ويا حسرتاي على الجمع بين العوض والمعوض عنه . أما قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أي أنه ما كان مكتفيا بذلك التقصير بل كان من المستهزئين بالدين ، قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة اللّه حتى سخر من أهلها ، ومحل وَإِنْ كُنْتُ نصب على الحال كأنه قال : فرطت في جنب اللّه وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي . النوع الثاني : من الكلمات التي حكاها اللّه تعالى عن أهل العذاب أنهم يذكرونه بعد نزول العذاب عليهم قوله أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . النوع الثالث : قوله أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وحاصل الكلام أن هذا المقصر أتى بثلاثة أشياء أولها : الحسرة على التفريط في الطاعة وثانيها : التعلل بفقد الهداية وثالثها : بتمني الرجعة ، ثم أجاب اللّه تعالى عن كلامهم بأن قال التعلل بفقد الهداية باطل ، لأن الهداية كانت حاضرة والأعذار زائلة ، وهو المراد بقوله بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج بلى جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل / فيه معنى النفي ، لأن معنى قوله لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي أنه ما هداني ، فلا جرم حسن ذكر لفظة بَلى بعده . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه اللّه : القراءة المشهورة واقعة على التذكير في قوله بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ لأن النفس تقع على الذكر والأنثى فخوطب المذكر ، وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ على التأنيث ، قال أبو عبيد لو صح هذا عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لكان حجة لا يجوز لأحد تركها ولكنه ليس بمسند ، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة ، وأما وجه التأنيث فهو أنه ذكر النفس ولفظ النفس ورد في القرآن في أكثر الأمر على التأنيث بقوله سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي [ طه : 96 ] و إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] و يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ الفجر : 27 ] . المسألة الثالثة : قال القاضي هذه الآيات دالة على صحة القول بالقدر من وجوه الأول : أنه لا يقال : فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون من قبله ، وذلك يدل على أن أفعال العباد تحصل من قبلهم لا من قبل اللّه تعالى ، وثانيها : أن طلب الغفران والرجاء في ذلك أو اليأس لا يحسن إلا إذا كان الفعل فعل العبد ، وثالثها : إضافة الإنابة والإسلام إليه من قبل أن يأتيه العذاب وذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما قبل نزول العذاب ، ومذهبهم أن الكافر لم يتمكن قط من ذلك ورابعها : قوله تعالى : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وذلك لا يتم إلا بما هو المختار للاتباع وخامسها : ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب وذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل ، وسادسها : قولهم يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ولا يتحسر المرء على أمر سبق منه إلا وكان يصح منه أن يفعله ، وسابعها : قوله تعالى : عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ومن لا يقدر على الإيمان كما يقول القوم ولا يكون الإيمان من فعله لا يكون مفرطا ، وثامنها : ذمه لهم بأنهم من الساخرين ، وذلك لا يتم إلا أن تكون السخرية فعلهم وكان يصح منهم أن لا يفعلوه ، وتاسعها : قوله لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي أي مكنني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وعلى هذا قولهم إذا لم يقدر على التقوى فكيف يصح ذلك